ابن بسام

271

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

زمان طويل . ومثله مما أنشده أبو علي البغدادي [ 1 ] ، إلا أنّه في ذكر الشعرى والنسر ، قول أيمن بن خريم : أتاني بها يحيى وقد نمت نومة * وقد غابت الشّعرى وقد جنح النّسر وقد أنكر أبو عبيد البكري عليه هذه الرواية وقال [ 2 ] : الصحيح في المعنى : « وقد طلع النسر » ، لأنّ الشعرى العبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعا من أفق المشرق على نحو سبع درجات ، وكان النسر الطائر لم يطلع ؛ وإذا كانت الشعرى الغميصاء في أفق المغرب ، كان النسر الواقع حينئذ غير مكبّد ، فكيف أن يكون جانحا ، وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعا على نحو سبع درجات أيضا ؛ فرواية أبي عليّ لا تصحّ البتّة ، فكأن النسر الواقع نظير الشعرى العبور ؛ قال الشاعر : وإني وعبد اللّه بعد اجتماعنا * لكالنّسر والشعرى بشرق ومغرب يلوح إذا غابت من الشرق شخصه * وإن تلح الشعرى له يتغيّب وقال أبو نواس [ 3 ] : وخمارة نبّهتها بعد هجعة * وقد لاحت الجوزاء وانغمص [ 4 ] النسر فقالت : من الطرّاق قلنا عصابة * خفاف الأداوى تستقى لهم الخمر قال ابن بسام : وأبو عبيد البكري هذا كان آخر علماء أفقنا بالأوان ، وأوّلهم بالبراعة والإحسان ، حتى كأنّ العرب استخلفته على لسانها ، والأيام ولّته زمام حدثانها ، وقد ذكرت [ له ] في القسم الثاني من هذا التصنيف [ 5 ] ، عدّة من التواليف في شتى الفنون ، تشهد أنّه تلقّى راية المعارف باليمين .

--> [ 1 ] أمالي القالي 1 : 77 . [ 2 ] انظر التنبيه : 38 ، والسمط ( شرح الأمالي ) : 362 . [ 3 ] متابع للسمط ، وانظر ديوان أبي نواس : 273 . [ 4 ] السمط : وانغمس ؛ الديوان : وانحدر . [ 5 ] موضع ترجمة أبي عبيد في القسم الثاني من الذخيرة : 233 ولم يرد فيها ذكر لتصانيف أبي عبيد لأن النسخ المعتمدة قد أخلت بإيرادها ، وهذه الإحالة هنا تثبت أن ابن بسام كان قد أدرج له ترجمة مستوفاة ، ولعله فعل ذلك في مرحلة متأخرة من إعداده للكتاب ؛ ويجدر القول أن للبكري عدة مؤلفات هامة ذكرت بعضها في حواشي ترجمته في القسم الثاني .